السيد عباس علي الموسوي
190
شرح نهج البلاغة
الشرح ( أما بعد فإن دهاقين أهل بلدك شكوا منك غلظة وقسوة واحتقارا وجفوة ونظرت فلم أرهم أهلا لأن يدنوا لشركهم ولا أن يقصوا ويجفوا لعهدهم ) هذه رسالة إلى عامله على فارس وهو عمر بن أبي سلمة وكان أهلها مجوسا فشكوا خشونة أميرهم وقساوته وشدة معاملته لهم فكتب إليه الإمام هذا الكتاب . أما بعد فإن ملاك الأرض عندك والمتزعمين وأصحاب النفوذ فيها اشتكوا لي منك خشونتك عليهم وشدتك واحتقارك واستصغارك لهم وتبعيدهم عن ساحتك . . . وأنا قد نظرت وفكّرت في واقعهم فلم أجد مبررا يؤهلهم أن تدنيهم وتقربهم منك لشركهم والشرك إسفاف في التفكير وانحطاط في العقل ويجب أن يصغر من يحمل ذلك ولا يجعل قريبا من أصحاب الولاية وكذلك في المقابل نظرت فإذا لهم عهد وذمام وذمة فيجب أن يحفظوا من خلالها وبمقتضاها إذن هناك جانب سلبي وآخر إيجابي ويجب أن تتعامل بكلا الأمرين وقد أشار الإمام إلى ذلك بقوله : ( فالبس لهم جلبابا من اللين تشوبه بطرف من الشدة وداول لهم بين القسوة والرأفة وامزج لهم بين التقريب والإدناء والإبعاد والإقصاء إن شاء اللّه ) أمره باتخاذ الحد الوسط والاعتدال في معاملتهم ، عاملهم باللين مع شيء من الشدة بحيث لا يطمعوا في لينك فيخرجوا عن حدودهم ويمنعوا حقوقهم ويتمردوا على الحكم ظنا منهم أن اللين إنما كان عن ضعف . . . وأمره أن لا يستعمل القسوة دائما ولا الرأفة دائما بل تارة يأخذ هذا الجانب وأخرى ذاك وكذلك يستعمل معهم أسلوب تقريبهم مرة وإبعادهم أخرى لئلا يطمعوا بتقريبهم ولا يتذمروا بتبعيدهم مع مراعاة وجه المصلحة فيما يقتضيه الوقت . . .